عمر فروخ

78

تاريخ الأدب العربي

التدريج قليلا قليلا وشيئا بعد شيء . ثمّ يحسن أن نلاحظ أنّ أحوال الاجتماع وخصائص الأدب لا تغيب ، عند الانتقال من عصر إلى عصر ، مرّة واحدة ، بل تبقى منها بقايا راسبة في المجتمع وبادية إلى جانب الأحوال والخصائص الجديدة . ويجوز لنا أن نقول : إنّ في كلّ عصر رواسب من جميع العصور التي سبقته مفرّقة في نواحيه المختلفة . ليس في ما لدينا من النتاج الأدبي في عصر الأمراء المتوارثين ما يدلّ على حركة للنقد ، ولكن لعلّنا نجد رأيا هنا ورأيا هناك ، كما قال عبد الملك بن حبيب السلمي ( ت 238 ، راجع ترجمته ) : والشعر لا يسلس إلّا على * فراغ قلب واتّساع الخلق ! ومن وجوه النقد « المقياس » الذي نقيس به الشعر الجيّد والشعر غير الجيّد . إنّه الإعجاب أوّل أسس النقد الفطريّ ، في مقابل النقد العلمي الذي هو منهج ذو قواعد قائمة على الأسباب والنتائج بعد النظر في القطعة المعروضة للنقد . في النقد الفطريّ ( في الاجتماع وفي الأدب ) نعجب بالرجل فنحبّ كلّ شيء يصدر منه . أمّا في النقد العلمي فإنّنا ننظر إلى القطعة بقطع النظر عن صاحبها . وقد ننقد قطعتين لأديب واحد ، فتثبت إحداهما على النقد وتسقط الثانية منهما عند النظر . والمعارضة ( تقليد الشاعر لشاعر آخر ) وجه من وجوه النقد الفطري . أليس هو مظهرا من مظاهر الإعجاب والحكم لشاعر بأنّه أحسن ؟ نجد ليحيى بن حكم الغزال ( ت 250 ) قصيدة في الخمر عارض بها أبا نواس معارضة قريبة جدّا ، قيل إنّها خدعت أدباء بغداد ( راجع نفح الطيب 2 : 260 - 261 ) . من هذه القصيدة ليحيى الغزال : فلمّا أتيت الحان ناديت ربّه * فثار خفيف الروح نحو ندائي « 1 » .

--> ( 1 ) الحان : الحانة ( دكّان لبيع الخمر ) .